عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

563

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

وهؤلاء يجمعون في كتبهم ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين ، ثم جرد طوائفه آخرون الحديث المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يخلطوه بشيء من الآثار كما فعل موسى بن قرة ، والإمام أحمد ، وإسحاق وبقي بن مخلد ، وأبو يعلى الموصلي ، وغيرهم . ثم صنف قوم المسند الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأسقطوا ما عداه من الضعيف ، كما فعل البخاري ومسلم . وصنف أيضاً في الصحيح ابن حبان ، وابن خزيمة ، والحاكم ، وابن السكن ، وغيرهم ، ولا يبلغ تصحيح هؤلاء تصحيح الشيخين . وصنف أصحاب السنن والجوامع الكتب المرتبة عَلَى الأبواب ، ولما انتشرت الكتب والتصانيف توسع الناس في الرواية ، فصاروا يقرءون عَلَى الشيوخ قراءات ويسمى ذلك العرض . وصار الشيوخ يناولون أصحابهم كتبًا يعرفون ما فيها ، ويأذنون لهم في روايتها عنهم ، وكان هذا وهذا من عمل أهل الحجاز وغيرهم . وقد كانوا قبل تصنيف الكتب يفعلون ذلك أيضاً أحيانًا في أحاديث يكتبونها في صحف . وأنكر العرض والمناولة طائفة من علماء العراق ، كما أنكروا الشهادة عَلَى مثل ذلك ، فإنهم أنكروا الشهادة عَلَى الوصية المختومة ، وعلى كتاب القاضي حين يقرءوه عليه ، ويعلم ما فيه ، ووافقهم طائفة من الفقهاء في الشهادة دون الرواية ، فصارت الأقوال ثلاثة : أحدها : المنع من الرواية بما قرأه عَلَى الشيخ أو ناوله إياه بخطه ، وهؤلاء يمنعون الزيادة بما ناوله بخطه أيضاً . وأما الشهادة بما قرئ عليه فأقر به ، فلا يحفظ قولهم في ذلك ، وهذا القول كان قديمًا مشهورًا عن أهل العراق ، وكان مالك وغيره ينكره عليهم .